عيسى البندنيجي القادري

24

جامع الأنوار في مناقب الأخيار

وبعين عنايته ملحوظا ومحروسا ، وبينما أنا في غصص الزمان أتجرع مرائرها فيه آنا فآن ، لما أنا فيه من زمان اندرست فيه المعالم وهوت روقها ، وفشت الجهالة وقامت على سوقها سوقها ، لم يزل متجر العلم فيه على كساد وبضاعة الجهل على نفاق وازدياد ، فطورا أعاتب دهري الخئون ، وأبث ما لدي من الشجون ، وطورا يلي نفسي عما أنا فيه بأن عسى أن لا ألاقي زمنا يكون حاله خيرا من ماضيه ، وإذا بطارق يطرق الباب ، فقلت : من هذا فقال في الجواب ، خادم سلالة الأطياب ، خلاصة الأنجاب ، النقيب العالي الجناب ، الواسع الرحاب ، أرسلني يدعوك إلى نادية المستطاب ، ومجمعه الجامع لأولي الألباب ، فأجبته وشددت المئزر ، وسرت وقد أحاطت بي الفكر ، إلى أن حضرت في ذلك المحضر ، فتشرفت بناديه ، وشملتني أياديه ، وبادر إليّ بالإكرام والاحترام ، وأقعدني مقعدا لم أكن أهلا له في ذلك المقام ، ولا بدع إذ هو الموروث له من آبائه الكرام ، فإنه من بيت شرف من الفضل برز ، وكم لجأ إليه الذليل فعز ثم بعد استقراري ، وغب زوال أفكاري ، ناولني كتابا ، وشافهني خطابا ، وقال : إن هذا الكتاب في بابه من أعجب العجاب ، حوى تراجم الوجوه والأعيان ، وحاز مآثر غرر نواصي الزمان ، من الأصفياء والأولياء المدفونين في بغدان ، ومن يتبع قضاءها من البلدان ، إلا أنه تركي البيان ، لا يجتني كباس « 1 » غرائره عربي اللسان ، ولا يتنشق أنفاس نفائسه من ليس له بلغة الترك عرفان ، فالمأمول أن تترجمه بلسان العرب لتعم فوائده جميع أهل الأدب ، ولا تكون خالصته للأتراك لا غير ، وليقع لك ولنا بذلك ذكر جميل وأثر خير ، ولما انتهى كلامه ، وتبين مرامه ، أطرقت مليا ، وقلت في نفسي خفيا ، هو مني مناط الثريا ، وما للبنديجي والبيان ، فإنه أعجمي الطبع واللسان فرفعت رأسي ، وأظهرت ما في نفسي ، معتذرا بأني لم أكن من فرسان هذا الميدان وبتصاغري عن رتبة الترجمان ، مع ما بي من تفرّق

--> ( 1 ) الكباسة : بالكسر - العذق التام بشماريخه ورطبه ، ومنه حديث علي ( رض ) : كباس اللؤلؤ الرطب لسان العرب : 3 / 213 .